Al Jazirah NewsPaper Saturday  15/04/2006G Issue 12252 الاقتصاديه السبت 17 ,ربيع الاول 1427 هـ  15 ابريل 2006 م  العدد  12252

شركات

السوق السعودي

الأسواق العالمية

سوق النفط

سوق النقد

المستهلك

رؤى اقتصادية

الصفحة الرئيسة

أرشيف الأعداد

حول من عملة لأخرى

دليل الشركات السعودية

 
 

في سويسرا.. هناك ما هو أهم من الشيكولاته
د. خالد بن عبدالله بن فهد الفيصل الفرحان آل سعود

كان عليَّ أن أتوجه في نفس اليوم من مطار جنيف إلى بلدة مونترو على الطرف الآخر من بحيرة ليما.. لم يكن سهلاً لي الحصول على غرفة في فندق مع مطلع شهر إبريل الحالي، إذ تكثر المؤتمرات التي تشتهر هذه البلدة بانعقادها فيها.
لقد كنت مولعاً بمعرفة التجربة السويسرية في التنمية الإدارية، وفي التعليم لأنني كنت على يقين تام بأن هناك علاقة قوية وثيقة الصلة بين التنمية الشاملة بأبعادها، وجوانبها كافة، وبين التعليم، وكان عليَّ أن أسأل وأستمع جيداً إلى صديق مقيم هناك منذ عشرين سنة يعمل في سلك التعليم، وتكونت لديه تجربة متكاملة.
ما عرفته واكتشفته بل واندهشت منه هو أن سويسرا لا مواد خاماً فيها، ولا مصادر طبيعية سوى التعليم فقط.. نعم التعليم الذي تقدمه لأبنائها وتحرص عليه ليكون بديلاً مناسباً في وضع سويسرا في المكان الذي تريده ويليق بها.
بالتعليم المتقن أقام السويسريون اقتصاداً لا يعتمد على الإنتاج الواسع بكميات كبيرة، وإنما على إنتاج ذي مستوى عالٍ، وبمنتجات فردية عالية القيمة، ومن هنا برزت صناعة الساعات السويسرية المعروفة وغيرها من صناعات قليلة الكلفة عالية الثمن، وكان من الضروري لأجل تحقيق هذه الأهداف أن يتم إيجاد نظام تعليمي متميز بكفاءة وفاعلية عالية للغاية، وبالتالي شكل القطاع التعليمي السويسري القوة الدافعة الأساسية لدعم قدرة الاقتصاد على المنافسة، إذ توجه التعليم - في الأصل - إلى البنية الأساسية وهي (المدرسة)، وشكلت هنا المرحلة الابتدائية والثانوية الأولى المرحلة الإلزامية التي تستغرق تسع سنوات، في حين تأخذ السنوات الثلاث التالية من المرحلة الثانوية أنواع (التعليم المهني) جميعها.
وتشير الإحصائيات إلى أن 65% من الشباب كافة يختار - بعد الفترة المدرسية الإلزامية - تدريباً مهنياً عملياً يستغرق (4 سنوات)، وتقدم المعاهد في هذا المجال تعليماً هو الأفضل والأميز على المستوى العالمي، وتؤكد هذه الإحصائيات أن الإنفاق على البحث العلمي من الناتج الإجمالي القومي هو الأعلى في العالم كله؛ إذ يتم تمويل ثلثي أعمال البحث العلمي من خلال القطاع الخاص (صورة مع التحية لبنوكنا وشركاتنا الوطنية العملاقة التي أضحت تحقق أرباحاً قياسية في تاريخها)، ففي الوقت الذي يقوم القطاع الصناعي الخاص بالبحوث التطبيقية تقوم الجامعات هنا بالبحوث الخاصة بالأساسيات، وهذا سبب رئيس ومهم من جملة أسباب جعلت العالم يكرم علماء سويسريين (17) مرة بجائزة نوبل.. هذه الجائزة العالمية التي لم يحصل عليها طوال تاريخها - بكل أسف - سوى عربي واحد (أقصد عربي الجنسية) وهو الأديب المصري المعروف نجيب محفوظ.
الاقتصاد في سويسرا يعتمد في الدرجة الأولى على الخدمات، إذ يعمل فيه 72% في حين يعمل 24% في الصناعة و4% فقط في الزراعة؛ ففي قطاع الخدمات فإن سويسرا تحتل الأول في خدمات التأمين وأعمال البنوك والتجارة والسياحة، أما في القطاع الصناعي فإنها تتقدم بصناعة الماكينات والإلكترونيات والصناعة المعدنية بالإضافة إلى الصناعات الدوائية.. في حين تعد المؤسسات التجارية والصناعية الصغيرة ذات التخصص العالي العمود الفقري للاقتصاد السويسري، إذ تشكل 98% منه يصدر معظمها للخارج، وأبرزها الساعات وبعض أدوات الزينة.
اهتمامي بالتعليم في سويسرا والسؤال عنه لا يعادله إلا اهتمامي بقضايا الإدارة العامة المعاصرة، وكيف استطاع هذا البلد الصغير وسط أوروبا - المسمى بالأراضي المنخفضة - الذي كان معبراً للدول المتحاربة التي كانت تجتاحه وتسلكه وهو ما أملى عليه فكرة الحياد والالتزام بها وعدم الدخول في أية اتفاقيات أو معاهدات انحياز لأي طرف كان.
ففي هذا البلد الصغير - الذي يبلغ تعداد سكانه (7.5) ملايين نسمة فقط - (4) حضارات و(4) قوميات أساسية لخليط قومي، ومعظم السكان من النساء اللواتي يصل معدل أعمارهن 82 عاماً في حين يصل معدل أعمار الرجال 77 عاماً، ويعيش 30% من السويسريين منفردين شخصاً واحداً في مسكن واحد، وتمتاز سويسرا كذلك بأعلى معدل دخل للفرد، وبأعلى كثافة في استخدام الحاسبات الآلية والإنترنت في العالم.
سجلت ملحوظاتي وعدت إلى غرفتي في الفندق.. المنظر الخلاب طغى على كل ما فكرت في كتابته؛ فأوروبا وبخاصة السويسريون هناك كأنهم لم يسمعوا بعد بإنفلونزا الطيور أبداً؛ فما زال الدجاج سيد الموائد، وما زال بيض الصباح الطازج يتصدر (مينيو الإفطار)، ما جعلني أعتقد أن إنفلونزا الطيور ربما تكون (كذبة إبريل) التي أراد العالم المتقدم فيها أن يضحك على العالم الثالث لإبادة طيوره وإعادته إلى حظيرة الدواجن المستوردة، ورهن استقلاله من هذا النوع من هذه الثروة الغذائية والحيوية التي بدأنا نكتفي منها.
وعلى الرغم من جمال الطبيعة في سويسرا إلا أن ذلك الجمال الخلاب لم يستطع أن يذيب المرارة من نفسي، عندها فقط تذكرت ما قاله لي صديق عزيز على نفسي عندما حدثته هاتفياً عن ملحوظاتي ومشاهداتي فيما وصلت إليه تلك الدولة الصغيرة من تطور مدهش وتنمية هائلة شملت جميع الميادين فرد عليَّ قائلاً: (يا أبا الوليد؛ أليس الغرب غرباً والشرق شرقاً، وهما لا يلتقيان أبداً).

 



  | إرسال |   | حفظ |   | طباعة |   | رجوع |  

توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الى chief@al-jazirah.com.sa عناية رئيس التحرير/ خالد المالك
توجه جميع المراسلات الفنية الى admin@al-jazirah.com.sa عناية نائب رئيس التحرير/ م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2005 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved